الدليل الأول علي إلوهية المسيح:
.
المسيح "خالقاً" بشهادة الإنجيل والقرآن!
.
من الأمور التي تشغل عقل وتفكير غير المسيحيين هو شخص السيد المسيح نفسه, فدائماً ما يتسألون في أنفسهم إذا كان المسيح هو فعلاً إلهاً حقيقياً ام انه مجرد إنسان ونبي كسائر الأنبياء..؟! وهل هذا المسيح هو الله فعلاً ام أنه إله آخر غير الله..؟! وهل المسيح أعلن صراحة انه هو الإله (ابن الله) ام أن أتباعه هم الذي يجعلون منه إلهاً..؟!! وهل المسيح هو الخالق الذي خلق السموات والأرض ام انه مخلوق كسائر البشر..؟!! وهل المسيح هو الديَان الذي سيحاسبنا علي أفعالنا وأعمالنا في يوم الدينونة ام لا..؟!! أسئلة كثيرة تدور في عقل غير المؤمنين وفي داخل كل عقل يبحث عن الحق والحقيقة. ولنبدأ بالسؤال الأول الجوهري:
هل المسيح هو الله..؟؟
وللإجابة عن هذا السؤال, يجب أن نفهم أولاً عقيدة الثالوث المسيحية ونقول أن يسوع المسيح هو ابن الله, وهو الإقنوم الثاني من الله مثلث الأقانيم (ونؤكد هنا أن البنوة لا تعني علي الإطلاق البنوة الجسدية التناسلية لكنها بنوة روحية). ففي مفهوم عقيدة الثالوث, يؤمن المسيحيون بأن الله هو واحد فى ثلاثة أقانيم, والثلاثة هم واحد.. هم الله.. بدون انفصال أو تركيب.. متساوون لأنهم جميعا الله وكل اقنوم منهم هو الله.. وهو ما تعلنه المسيحية بكل وضوح. إذن فالمسيح بصفته الابن هو الله الذي تجسد (أي هو الله الذي ظهر في الجسد وصار إنساناً), وهو كلمة الله المتجسد, وإعلان الله للبشر.
السؤال الثاني: هل المسيح هو الذى خلقك وخلقني وخلق الجبال والشجر..؟؟
والإجابة بكل تأكيد نعم.. فالمسيح والآب هم في الحقيقة جوهر واحد لإله واحد هو الله.. والمسيح بصفته الابن يكون مساو لله الآب ومكافيء له. فالسيد المسيح في عقيدتنا المسيحية ليس بمجرد نبي من الأنبياء (كما يؤمن به المسلمون), لكنه إلهاً في ذات الوقت (اي إلهاً متأنساً) وهو شخص مكوَن من طبيعتين: طبيعية بشرية كاملة (ناسوت) وطبيعية إلهية كاملة (لاهوت), والطبيعتان متحدتان ولم ينفصلا عن بعضهما البعض أبداً ولا للحظة واحدة أو طرفة عين. وإتحاد الناسوت باللاهوت هو إتحاد بغير إختلاط ولا إمتزاج ولا تغيير ولا إستحالة.. إنه مثل إتحاد الحديد والنار؛ ففي حالة الحديد المُحمى بالنار، لا نقول هناك طبيعتان: حديد ونار، وإنما نقول حديد محمى بالنار، كما نقول عن طبيعة السيد المسيح أنه إله متأنس، أو اله متجسد، ولا نقول أنه إثنان إله وإنسان. وفي حالة الحديد المحمى بالنار لا توجد إستحالة؛ فلا الحديد يستحيل إلى نار، ولا النار تتحول إلى حديد.
وفي كلاً من الإنجيل والقرآن, نجد بوضوح أن السيد المسيح تميز بكونه "خالق" الأشياء من العدم. فمثلاً يقول القرآن عن المسيح إنه كان "يخلق من الطين كهيئة الطير, فينفخ فيه فيكون طيراً" (سورة آل عمران 49). وأيضا الكتاب المقدس يقول أن المسيح قد خلق عيْنَين من طين للمولود اعمي الذي كان أصلا بلا عينين، يقول الكتاب أنَّه "تَفَلَ عَلَى الأَرْضِ وَصَنَعَ مِنَ التُّفْلِ طِيناً وَطَلَى بِالطِّينِ عَيْنَيِ الأَعْمَى.وَقَالَ لَهُ: «اذْهَبِ اغْتَسِلْ فِي بِرْكَةِ سِلْوَامَ». الَّذِي تَفْسِيرُهُ مُرْسَلٌ. فَمَضَى وَاغْتَسَلَ وَأَتَى بَصِيراً" (يوحنا 9/6- 7). وفي تحويله للماء إلي خمرٍ قام المسيح بعمليَّة خلق مادةٍ من مادةٍ أخري مختلفة عنها، كيميائيًا، تمامًا، وذلك بكلمتين للأمر "امْلأوا الأَجْرَانَ مَاءً.. اسْتَقُوا الآنَ" (يو2/7- 8). وفي إشباعه لخمسة آلاف رجلٍ غير الذين كانوا معهم من نساء وأطفال بخمسة أرغفة وسمكتَين، قام بعمليَّة خلق أخري إذ خلق من كلِّ رغيفٍ واحدٍ ما يشبع أكثر من ألف فردٍ بل وزاد حوالي قفَّتَين وربع من هذا الرغيف الواحد!! خلق من الرغيف الواحد أكثر من ألف رغيف لو افترضنا أنَّ كلّ شخص أكل رغيفًا واحدًا !! (مت14/19-22).
وكما نعلم جميعاً فإن الخلق هو إيجاد الشيء من لاشيء، (أي من العدم)، وهو عمل اللَّه وحده والذي لا يشاركه فيه أحد علي الإطلاق. فاللَّه وحده خالق الكون وكلّ ما به وما فيه يقول الكتاب المقدس: "هَكَذَا يَقُولُ اللَّهُ الرَّبُّ خَالِقُ السَّمَاوَاتِ وَنَاشِرُهَا بَاسِطُ الأَرْضِ وَنَتَائِجِهَا مُعْطِي الشَّعْبِ عَلَيْهَا نَسَمَةً وَالسَّاكِنِينَ فِيهَا رُوحاً" (أشعياء 42/5). وبالرغم من اللَّه وحده هو الخالق البارئ المصوِّر وليس سواه (كما يقول أيضاً المسلمون), نجد أن المسيح في القرآن الكريم يخلق من الطين كهيئة الطير ثم ينفخ فيه فيصير طيرًا بأذن اللَّه. والسيد المسيح هنا يَخْلِق وبنفس الطريقة التي خَلَقَ اللَّه بها الإنسان، يقول الكتاب المقدس عن خلق آدم: "وَجَبَلَ الرَّبُّ الإله ادَمَ تُرَابا مِنَ الأرض وَنَفَخَ فِي انْفِهِ نَسَمَةَ حَيَاةٍ. فَصَارَ ادَمُ نَفْسا حَيَّةً" (تكوين 2/7). وهناك اتِّفاق علي أنَّ خَلْق آدم تمَّ كالآتي:
1- أنَّ اللَّه خلق الإنسان من طين ثمَّ سوَّاه.
2- ثمَّ نَفَخَ فيه من روحه.
وأيضاً نجد أن المسيح خلق الطير بنفس الطريقة:
1- خَلَقَ من الطين كهيئة الطير.
2- ثم نَفَخَ فيه فصار طيرًا (بإذن اللَّه).
والسؤال هنا.. هل هناك فرق بين خلقة الإنسان وخلقة الطير؟ الإجابة هي كلا، لأنَّ كليهما عملية خلق وإيجاد حياة فيمن ليست له حياة. إذًا لماذا المسيح بالذات هو الذي أعطاه اللَّه عمل من أعماله وصفة من صفاته واسم من أسمائه؟ فقد خلق مثلما يخلق اللَّه وبنفس الطريقة التي خلق بها اللَّه الإنسان الأوَّل، وأصبح من حقِّه اسم الخالق وصفته. وهذا هو إذن حال السيد المسيح في القرآن الكريم, فهو "الخالق" بشهادة كتاب المسلمين.
ولكن الإجابة الدائمة (من المسلمين) هي أنَّ اللَّه يفعل ما يريد وأنَّ له حكْمة في ذلك!! ولكنَّنا نقول أنَّ اللَّه يفعل كلّ شيء بحسب مشورته الأزليَّة وتدبيره الإلهيّ وعلمه السابق ولا يفعل شيئًا باطلاً، فإذا كان قد أعطي المسيح، وحده، عمل الخلق وصفة الخالق واسم الخالق فهذا يعني أنَّ المسيح له امتياز خاص يتميَّز به عن كلِّ ما في الكون من كائنات، سواء كانت تُري أو لا تُري!! أو كما يقول الكتاب "أَعْطَاهُ اسْماً فَوْقَ كُلِّ اسْمٍ لِكَيْ تَجْثُوَ بِاسْمِ يَسُوعَ كُلُّ رُكْبَةٍ مِمَّنْ فِي السَّمَاءِ وَمَنْ عَلَى الأَرْضِ وَمَنْ تَحْتَ الأَرْضِ، وَيَعْتَرِفَ كُلُّ لِسَانٍ أَنَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ هُوَ رَبٌّ لِمَجْدِ اللهِ الآبِ" (في2/9-11). يقول القرآن أن المسيح خلق بإذن اللَّه، والإنجيل يقول أنَّ اللَّه خلق به (أي بالمسيح)، وفيه وله كل شيء "اللهِ خَالِقِ الْجَمِيعِ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ" (أف3/9)، "كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ" (يو1/2)، " الَّذِي بِهِ أَيْضاً عَمِلَ الْعَالَمِينَ" (عب1/2)، "فَإِنَّهُ فِيهِ خُلِقَ الْكُلُّ: مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا عَلَى الأَرْضِ، مَا يُرَى وَمَا لاَ يُرَى، سَوَاءٌ كَانَ عُرُوشاً امْ سِيَادَاتٍ امْ رِيَاسَاتٍ امْ سَلاَطِينَ. الْكُلُّ بِهِ وَلَهُ قَدْ خُلِقَ. اَلَّذِي هُوَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، وَفِيهِ يَقُومُ الْكُلُّ" (كو1/16ـ17).



