ليس الهدف من الموقع الإساءة الشخصية للمسلم أو السخرية من عقيدته.. هدفنا هو الحوار الموضوعي القائم علي إستخدام الأدلة العقلية بطريقة حيادية ومحترمة

10 يوليو، 2009

الجهاد القتالي في القرآن وحرية الاعتقاد

قبول الآخر ام قبور الآخر .. (1)

بقلم القمص مرقس عزيز خليل

قال محدثي: لماذا تنظرون الينا نظره فيها ريب ؟ لماذا لاتثقون فيما نقوله ؟ نحن نحبكم و نؤمَن ان لكم حقوق مثلنا تماما فلماذا هذا القلق الذي نستشعره منكم ؟ لماذا لا تصدقون ما نقول ؟ هل قرأت ما كتبه الشيخ محمد متولي الشعراوي (إمام الدعاة في القرن العشرين): "الله خلق الناس مختارين حتّى يعبدوه عن حُبّ، لأنه لا يريد قوالب تخضَع وإنّما يريد قلوباً تخشَع ذلك لأن الله سبحانه وتعالى يحب أن يحبه عبده ويُقبِل عليه مختاراً غير مُجبَر، ويتمَنّى الحق تبارك وتعالى أن يحبه عبده ويتعلق به وهو قادر على عِصيانه والابتعاد عن جادته ولا يستطيع أحد أن يجبر قلب إنسان على الحب ولا أحد يمكن أن يصدر أمراً يقول (أحبني) إذن فالعقائد لا إكراه عليها". (راجع جريدة اللواء الإسلامي 19/7/2001- ص11. انظر أيضاً كتاب الفتاوى ]1-10[ ص76- مكتبة القرآن).

وهل قرأت ما كتبه فضيلة الإمام الأكبر د. محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر: "إن الدين كعقيدة راسخة في كيان الإنسان لا إكراه عليها، ولا تُباع ولا تُشتَرَى، لأنها مرتبطة بالقلب وبالذات الإنسانية، وما كان كذلك لا سلطان لشيء من القُوَى الخارجية عليه.. والإكراه معناه: إجبار الغير على قَولٍ أو فِعلٍ لا يريده، عن طريق التخويف أو التعذيب أو ما يُشبِه ذلك. وليس في الدين الذي هو تصديقٌ بالقلب، وإذعانٌ في النّفْس، إكراهٌ أو إجبار، وإنّما الذي فيه هو الاختيار المُطلَق، والرّضا التام بما يطمئن إليه قلب الإنسان من اعتقاد"(جريدة الأهرام 29/3/2001- ص 10).

بل ان فضيلة د. محمود حب الله (أستاذ فضيلة د. محمد سيد طنطاوي) يقول: "ليس الإكراه على الاعتقاد إذن من الإسلام في شيء، لأنه ينافي مبادئه من ناحية، ولا يؤدي غرضه من ناحية أخرى، إذ لا ينشأ عنه إيمان أو اعتقاد مقبول.. والإكراه فوق أنه مَنهِيّ عنه من ناحية المبدأ، هو عديم الجدوى من ناحية الاعتقاد ومن ناحية العمل، وذلك لأن الإكراه هو أن تُلجِئ غيرَك إلى الأخذ بما لا يراه ولا يؤمن به، ومن الهَيِّن أن تجعل غيرَك يعمل بما تُحِب، ولكن من العسير – إن لم يكن من المستحيل – أن تجعله يعتقد رغم أنفه.. وإن الدين الإسلامي لا يقبل إلاّ الإيمان الذي انبعث عن طمأنينة قلبية، وعن اختيار، لا عن إكراه أو إجبار" (راجع جريدة الأهرام 5/4/2001- ص10).

الجهاد القتالي في القرآن وحرية الاعتقاد

.

قلت لمحدثي: إن ما ذكرته عن مبدأ حرية الاعتقاد في القرآن الكريم يجعلني اتساءل عن الأقوال التي ذكرتها لي و عن نصوص أخرى وأحاديث صحيحة تبدو معارضة لِما تقرره.

.

قال محدثي: هل قال القرآن بشيء يتعارض مع ما قلته لك؟ وان كان كذلك ليتك تبرهن لي علي صحه ما تقول.

.

قلت لمحدثي: لقد جاء بالقرآن الكريم: "فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ" (التوبة 5). وجاء في تفسير ابن كثير (من أشهر التفاسير عند أهل السنة): وهذه الآية الكريمة هي آية السيف التي قال فيها الضحاك بن مزاحم: إنها نسخت كل عهد بين النبي (ص) وبين أحد من المشركين، كل عهد وكل مدة. وقال ابن عباس (حَبْر الأُمّة) في هذه الآية: أمره الله تعالى أن يضع السيف فيمن عاهد إن لم يدخلوا في الإسلام، ونقض ما كان سَمّى لهم من العهد والميثاق..." (راجع تفسير ابن كثير (4/55) – مصدر سابق).

.

ونقل العوفي عن ابن عباس (حَبْر الأمّة) قوله: "لم يَعُد يُعتَرَف بأي عقد ولا أي ميثاق حماية للكافر منذ أن كانت قد أوحيَت هذه الآية وقررت حل الالتزامات المُثبتة في المعاهدة". (راجع الفِكر الإسلامي نقد واجتهاد - د. محمد أركون - ص184- الطبعة الثالثة 1998م- دار الساقي- ص.ب: 5342/113- بيروت- لبنان).

يقول د. محمد أركون: "أما المفسر محمد بن أحمد بن الجوزي الكلبي فيقول: إن نسخ الأمر بحالة السلام مع الكفار والمغفرة لهم وعدم مقاومتهم وتحمل شتائمهم قد سبق هنا الأمر بقتالهم. وهذا يعفي من تكرار نسخ الأمر بالعيش في سلام مع الكفار في كل آية من آيات القرآن. فالأمر بالعيش معهم في سلام وارد في عدد (114) مئة وأربع عشرة آية موزعة على (54) أربع وخمسين سورة. ولكن كل هذه الآيات منسوخة من قِبَل (المائدة : 5)، و(البقرة : 216) التي تقول: (كُتِب عليكم القتال)". (راجع المصدر السابق).

وقال الحسين بن فضل فيها: "هي آية السيف نسخت هذه كل آية في القرآن فيها ذِكر الإعراض والصَّبر على أذَى الأعداء.. فالعَجَب مِمَّن يستدِلّ بالآيات المنسوخة على ترك القتال والجهاد". وقال الإمام أبو عبد الله محمد بن حزم المتوفى سنة 56 في الناسخ والمنسوخ: "باب الإعراض عن المشركين في مائة وأربع عشرة آية في ثماني وأربعين سورة نسخ الكل بقوله عز وجَلّ (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم)". ويقول الحافظ محمد بن أحمد بن محمد بن جزي الكلبي صاحب تفسير التسهيل لعلوم التنزيل: "وتقَدَّم هنا ما جاء من نسخ مسالمة الكفار والعفو عنهم والإعراض والصبر على أذاهم بالأمر بقتالهم ليغني ذلك عن تكراره في مواضعه فإنه وقع منه في القرآن مائة وأربع عشرة آية من أربع وخمسين سورة نسخ ذلك بقوله: (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم)، (كُتِب عليكم القتال)".

.

ويقول الإمام المحقق أبو القاسم هبة الله سلامة: (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) هي الآية الثالثة وهي الناسخة ولكن نسخت من القرآن مائة آية وأربعاً وعشرين ثم صار آخرها ناسخاً لأولها وهي قوله تعالى: (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتَوا الزكاة فخَلَّوا سبيلهم) (كتاب الناسخ والمنسوخ).

.

وقال السدي والضحاك إن آية السيف منسوخة بآية (فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرِّقاب حتّى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإمّا مَنّاً بَعدُ وإمّا فداء) وهي أشَدّ على المشركين من آية السّيف. وقال قتادة بالعكس، ولا أعلم أحداً خالف القول بالمنسوخ سوى السيوطي، قال في كتاب الاتفاق: (الأمر حين الضّعف والقِلَّة بالصَّبْر وبالصَّفح ثم نسخ بإيجاب القتال، وهذا في الحقيقة ليس نسخاً بل هو من قسم المُنسَأ كما قال تعالَى: (أو نُنسِها) .. فالمنسأ هو تأجيل الأمر بالقتال إلى أن يقوى المسلمون، وفي حال الضَّعف يكون الحكم وجوب الصبر على الأذى وبهذا يضعف ما لهج به كثيرون من أن الآية في ذلك منسوخة بآية السيف وليس كذلك بل هو المنسأ). (راجع جذور الفتنة في الفِرَق الإسلامية- اللواء حسن صادق- ص406 ، 407- طبعة ثالثة 1997م – الناشر مكتبة مدبولي- القاهرة).

فكيف يكون الإنسان حراً في اعتقاد ما يشاء ومن ثَمَّ يُقتَل المُشرِك ويؤخَذ ويُحصر.. إلا أن يتوب ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة؟ أليس في هذا إكراه في الدين؟

لقد عالج فئة (كثير) من المفسرين هذه الإشكالية من خلال مقولة النسخ التي أثبتت التعارض بين هذه الآية والآيات التي تثبت حرية الاعتقاد، واعتبروا أن آية السيف ناسخة لما يعارضها، فأحالوا بهذه المقولة عشرات الآيات في القرآن إلى التاريخ ليكون نصيب الفرد منها لقلقة لسان من خلال التلاوة، واعتماداً على مقولة النسخ ربط بعض الفقهاء الجهاد بعلة الكفر، واعتبروا الكفر مبيحاً لقتل الكافر إلا ما استثناه النَّص. ومن أبرز هؤلاء الفقهاء الإمام الشافعي، وبعض أصحاب الإمام أحمد وابن حزم. وذهب إلى هذا الرأي بعض المعاصرين.. (راجع حرية الاعتقاد- ص129، 130- مصدر سابق). وقد تتبع دكتور مصطفى زيد الآيات التي ادُّعِيَ نسخها بآية السيف فوصلت إلى مائة واربعين آية (ارجع للمصدر).

ليست هناك تعليقات:

Related Posts with Thumbnails